مجمع البحوث الاسلامية
446
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
حكمه بأنّ العبد ضالّ ، ليس قبيح بل هو حسن . [ ثمّ نقل الأقوال وقال : ] فإن قيل : لم أنزل في القرآن المتشابه ؟ وهلّا أنزله كلّه محكما ! قيل : للحثّ على النّظر الّذي يوجب العلم دون الاتّكال على الخبر من غير نظر ، وذلك أنّه لو لم يعلم بالنّظر أنّ جميع ما يأتي به الرّسول حقّ ، يجوز أن يكون الخبر كذبا ، وبطلت دلالة السّمع ، وفائدته ، فلحاجة العباد إلى ذلك من الوجه الّذي بيّنّاه ، أنزل اللّه متشابها ، ولولا ذلك لما بان منزلة العلماء ، وفضلهم على غيرهم ، لأنّه لو كان كلّه محكما ، لكان من يتكلّم باللّغة العربيّة عالما به ، ولا كان يشتبه على أحد المراد به فيتساوى النّاس في علم ذلك ، على أنّ المصلحة معتبرة في إنزال القرآن ، فما أنزله متشابها ، لأنّ المصلحة اقتضت ذلك ، وما أنزله محكما فلمثل ذلك . والمتشابه في القرآن : يقع فيما اختلف النّاس فيه من أمور الدّين ، من ذلك قوله تعالى : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ الأعراف : 54 ، فاحتمل في اللّغة أن يكون كاستواء الجالس على السّرير ، واحتمل أن يكون بمعنى الاستيلاء ، نحو قول الشّاعر : ثمّ استوى بشر على العراق * من غير سيف ودم مهراق وأحد الوجهين لا يجوز عليه تعالى لقوله : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ الشّورى : 11 ، وقوله : لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ الإخلاص : 4 . والآخر يجوز عليه ، فهذا من المحكم الّذي يردّ إليه المتشابه . ومن ذلك قوله : رَبَّنا وَلا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا بِهِ البقرة : 286 ، فاحتمل ظاهره تكليف المشاقّ ، واحتمل تكليف ما لا يطاق ، وأحدهما لا يجوز عليه تعالى : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَها البقرة : 286 فرددنا إليه المتشابه ، ومن ذلك قوله : قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ النّساء : 78 ، فرددناه إلى المحكم الّذي هو قوله : وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ آل عمران : 78 ، ومن ذلك قوله : وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ التّكوير : 29 ، متشابه ، وبيّن المراد بالمحكم الّذي هو قوله : وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْماً لِلْعالَمِينَ آل عمران : 108 . ومن ذلك اعتراض الملحدين في باب النّبوّة بما يوهم المناقضة ، كقوله : قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ * ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ * فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ فصّلت : 9 - 12 ، فقال : اليومان والأربعة واليومان ثمانية ، ثمّ قال : وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ هود : 7 ، فأوهموا أنّ ذلك مناقضة ، وليس الأمر على ما ظنّوه ، لأنّ ذلك يجري مجرى قول القائل : سرنا من البصرة إلى بغداد في عشرة أيّام ، وسرنا إلى الكوفة في خمسة عشر يوما ، فالعشرة داخلة في الخمسة عشر ولا يضاف فيقال : عشرة ،